قصة بلا مفتاح: تحرير السفينة سيبو ١
✍️ محمد فخري المولى
بغداد تشرين الأول ٢٠٢٦
لم تكن حادثة السيطرة على سيبو ١ مجرد استعادة لقطعة بحرية أبحرت في مياه خطرة بل كانت تكثيفاً مبكراً لوعي عراقيّ أعمق وعيٍ يدرك أن الحق المكتوف الأيدي لا يعود وأن السيادة لا تُمنح في القاعات المكيفة ولا تُستجدى من الحمايات الدولية التي غالباً ما تكتفي بالتفرج والتدوير السياسي
لقد أثبت عشيرة الشغانبة في تلك المنازلة البحرية الصغيرة بحجمها الكبيرة بدلالاتها أن الذهنية العراقية
حين تستشعر الخطر على كرامتها ومالها لا تنتظر إشارت السماح من أحد لانها جزء من مصفوفة السلاح الاجتماعي لذا الشغانبة اختاروا الفعل المباشر بالتنسيق والعمل ميدانياً وفرضوا منطق حماية الذات وسط مياه تتخطفها القرصنة وتديرها أجندات دولية متشابكة.
هنا تكمن القصة التي بلا مفتاح مفتاحها لم يكن في عواصم القرار الغربي ولا في دهاليز المنظمات الدولية بل كان محفوراً في إرادة أبناء الأرض أنفسهم هذه الإرادة التي تجلت لاحقاً في ساحات وميادين متعددة
أثبتت لكل للقوى الإقليمية
أن الرهان على سحق القوة العراقية أو تغييب دورها هو رهان خاسر
لان المعادلة البسيطة والواضحة تقول العراقي يمرض ولكن لا يموت ويفتك به التكالب لكنه لا يفرّط بحقه
من أعالي البحار إلى جبهات المواجهة الوطنية تبقى الحقيقة الحاكمة واحدة القدرة على انتزاع المبادرة وهي الصخرة التي تتحطم عليها كل حسابات الهيمنة وستبقى القصة بلا مفتاح لكل من يحاول حل الشفرة والمصفوفة الاجتماعية العراقية دون أن يفهم معدن وتركيبة هذا الشعب.
الرواية الرسمية للحادثة كشفتها التقارير صحفية نقلاً عن عدة مواقع صومالية، أن عملية تحرير السفينة (سيبو ١) نُفّذت بوساطة قوة مشتركة تضم قوات الأمن البحري في إقليم بونتلاند إلى جانب فريق مسلح أرسلته الشركة العراقية المالكة للسفينة بتنسيق مع الجهات المعنية الصوماليه.
القصة أكبر من بيان
هذا هو المفتاح المفقود السفينة (MT SIBU 1) اختُطفت في ٢٠ آب الماضي عندما استولى عليها ستة مسلحين حسب بيانات هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية وبقيت محتجزة لأكثر من شهر قبالة سواحل الصومال
يوم الجمعة ٢٦ أيلول أعلنت قوة شرطة بونتلاند البحرية (PMPF) أنها تمكنت من تحرير الناقلة بعد تنفيذ عملية بحرية مُخطط لها استمرت
٤٨ ساعة البيان الصومالي قال إن وحدات بحرية وبرية نصبت كميناً للسفينة وهي راسية جنوب غاراكاد بعد مطاردة استمرت أيام وأن العملية أسفرت عن مقتل مشتبه به وإصابة آخرين مع تأكيد سلامة أفراد الطاقم البالغ عددهم ٢٠ شخصاً، فيما أعلنت الشرطة احتجاز ٤١ شخصاً يشتبه في ضلوعهم في القرصنة.
لكن... وما أدراك ما لكن
هنا بدأت قصة بلا مفتاح جديدة
روايتان خرجتا في نفس اليوم
الرواية الرسمية الصومالية تنسب العملية بالكامل لقواتها
ورواية ثانية نقلها الشيخ علي الشغانبي من البصرة تقول إن أبناء عشيرة الشغانبة وهم ملاك الشركة المشغلة للسفينة هم من تحركوا ولم يتركوا سفينتهم بيد الخاطفين
تباينت الروايات بشأن الجهة التي حررت الناقلة بعدما نسب شيخ من عشيرة الشغانبة العملية إلى أفراد من عشيرته فيما أعلنت الشرطة البحرية في بونتلاند أنها نفذتها وسط تقارير صومالية نفسها تتحدث عن مشاركة أشخاص يعملون لمصلحة الشركة المالكة للناقلة
وكالة رويترز دخلت على الخط ونفت بشكل قاطع وجود أي مشاركة لعشائر أو عناصر مدنية عراقية وقالت إن قوة الشرطة البحرية التابعة لإقليم بونتلاند هي من نفذت العملية بالكامل وأضافت تفصيلاً خطيراً
أن السفينة المحررة تخضع لعقوبات أمريكية لارتباطها بما يُعرف
بـ أسطول الظل الإيراني ولهذا سميتها قصة بلا مفتاح
لا أحد يريد أن يفتح الملف كاملاً من هي الشركة المالكة الحقيقية ولماذا سفينة عراقية ترفع علماً أجنبياً وتعمل في خليج عدن ولماذا الصمت الرسمي
من الجهات ذات العلاقة
ولماذا تحاول بعض الوكالات حصر القصة بالقرصنة فقط وتتجاهل
أن هناك فريقاً عراقياً مسلحاً أرسلته الشركة للدفاع عن مالها وبحارتها.
القصة ليست سفينة احتُجزت ثم أُفرج عنها فحسب وليست عملية أمنية انتهت بانتهاء الخطر فكل سفينة تحمل معها أكثر من حمولتها...
تحمل اسم الدولة وحقوق أصحابها ومسؤولية حمايتها ورسالة إلى من يراقب المشهد من بعيد
سيبو ١ ليست مجرد قطعة بحرية في طريق تجاري بل مثال صغير على سؤال أكبر: ماذا تفعل حين يصبح مالك العراقي أو تجارته أو مصالحه في منطقة لا تكفي فيها الأوراق والعقود وحدها؟
هنا تظهر أهمية التنسيق بين الشركة المالكة والجهات المحلية والدولة التي تنتمي إليها السفينة فحماية المصالح لا تقوم على رد الفعل فقط
بل على منظومة تبدأ بالمعلومة وتمر بالتنسيق وتنتهي بقدرة حقيقية على حماية الإنسان والممتلكات
الأهم أن الحادثة تفتح بابا للنقاش حول مفهوم الإرادة العراقية فالعراقي حين يدافع عن ماله أو أرضه أو مصالح بلده لا يفعل ذلك بمعزل عن مؤسسات الدولة بل يحتاج إلى دولة تعرف متى تتدخل وكيف تنسق ومن يملك القرار وما حدود المسؤولية.
الشغيلة لم يتركوا سفينتهم والعراقيون لم يتركوا وطنهم
هذه هي خلاصة الحكاية
عندما اخفقت الدول في حماية سفينة ترفع اسمها تحرك القطاع الخاص والعشيرة وعندما غابت البحرية عن المحيطات حضرت غيرة العراقي على رزقه وهو نفس المنطق الذي رأيناه في سواتر القتال ضد داعش ونراه اليوم في البحر فبين البحر وساحات القتال
تتكرر الحقيقة حين يمتلك العراقي إرادته وسلاح الدفاع عن أرضه وماله تتغير حسابات القوة في المنطقة والتي لا ترضي إلكثيرين.
هنا يبدأ الخوف الحقيقي عندما يكتشف الآخرون أن العراقي يستطيع أن يصنع قوة من داخله وأن المجتمع يستطيع أن يتحول عند الخطر إلى قوة مقاتلة قادرة على تغيير موازين الميدان وإفشال الخطط المرسومة للمنطقة.
في الختام
المفتاح للقصة ليس في بونتلاند ولا في بيان رويترز المفتاح في بغداد والبصرة
هل نمتلك أسطولاً يحمي تجارتنا
وهل نمتلك قراراً يحمي شركاتنا من الابتزاز والعقوبات.
تحرير سيبو ١ يجب أن يكون بداية نقاش عن أمننا البحري لا نهاية خبر عابر
تلك هي الحكاية التي تستحق أن تُروى بعد انتهاء الخبر لأن الخبر ينتهي
أما الدرس فيبقى
الدولة القوية هي التي تضبط السلاح بالقانون لكنها في الوقت نفسه لا تتخلى عن قدرتها الدفاعية ولا تمحو ذاكرة الذين قاتلوا عندما كان الوطن مهددا.
تقديري واعتزازي
✍️ #محمد_فخري_المولى
ادارة مجموعات
#العراق_بين_جيلين ١
https://chat.whatsapp.com/DvjwsbOy8Lr5kU84dPidAt
#العراق_بين_جيلين ٢
https://chat.whatsapp.com/HyhpIgkknjjGl8ZW4xDuZi
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق